الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

427

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

فإن قلت إن ما ذكرته في بيان الصغرى إنما يصح مع عدم قيام احتمال المنع وهو قائم في المقام إذ مع عدم موافقة ذلك للواقع بكون الإتيان به على سبيل الاستحباب أو تركه على وجه الكراهة بدعة محرمة فلا وجه لإجراء الاحتياط في شيء من المقامين وقد نصّ على ذلك بعض أفاضل المتأخرين قائلا بأن احتمال الحرمة في هذا الفعل الذي تضمن الحديث الضعيف استحبابه حاصل فيما إذا فعله المكلف بقصد القربة ولاحظ رجحان فعله شرعا فإن الأعمال بالنيات وفعله على هذا الوجه دائر بين كون سنة ورد الحديث بها في الجملة وبين كونه تشريعا إدخالا لما ليس من الدين فيه ولا ريب أن ترك السنة أولى من الوقوع في البدعة فليس الفعل المذكور دائرا في وقت من الأوقات بين الإباحة والاستحباب إلا بين الكراهة والإباحة فتاركه تيقن السلامة وفاعله متعرض للندامة على أن قولنا بدورانه بين الحرمة والاستحباب إنما هو على سبيل المماشاة وإرخاء العنان وإلا فالقول بالحرمة من غير تزائد ليس عن السداد ببعيد والتأمل الصادق على ذلك شهيد انتهى وأيضا فنيّة الوجه معتبرة عند جماعة من الأصحاب في أداء الواجبات والمندوبات وهي متوقفة على ثبوت الخصوصية عند المكلف لعدم جواز الترديد في النية واعتبار الجزم فيها وهو غير حاصل مع قيام الاحتمالات فبملاحظة ذلك لا نسلم الاحتياط في المقام قلت أما الوجه الأول فمدفوع بأن احتمال البدعة مرتفع بالاحتياط إذ بعد حكم العقل والشرع برجحان الاحتياط ومطلوبيته لا يبقى مجال لاحتمال الحرمة في المقام من جهة البدعية لرجحان الفعل إذن من جهة الاحتياط فإن فرض عدم رجحانه في نفسه بالمرة فلا وجه إذن لاحتمال تحريم قصد القربة مع حصول الجهة المقربة وما لعله يتوهم من أنه لا كلام في حسن الاحتياط ورجحانه والاكتفاء به في قصد القربة إنما الكلام في تحققه في المقام فالبحث هنا في موضوع الاحتياط فلا يرتبط ثبوته بإثبات حكمه من جهة العقل أو النقل فإن ذلك إنما يدل على حسن الاحتياط في العمل إلا على كون العمل على وفق الاحتياط وقضية الإيراد المذكور عدم اندراج ذلك في الاحتياط نظرا إلى قيام احتمال التحريم مدفوع بأن احتمال التحريم في المقام إنما يقوم في بادي الرأي من جهة الغفلة عن رجحان الاحتياط فإنه إذا احتمل عدم الحسن في الاحتياط قام احتمال البدعة وأما بعد العلم بحسنه ورجحانه عقلا وشرعا فلا ريب في كون الإتيان بالأمر الدائر بين الإباحة والوجوب مثلا أحوط إذ لو كان مباحا لم يكن مانع من الإتيان وإن كان واجبا كان تركه قاضيا بالعقاب وحينئذ فيصح التقرب به من جهة رجحانه فإن قلت إن كان الفعل المفروض مما لا يتوقف الإتيان به [ المطلب السابع في النسخ ] القول في النسخ النسخ في اللغة يطلق على أمرين أحدهما الإزالة يقال نسخت الشمس الظل أي أزالته ونسخت الريح آثار القدم يعني أزالتها ثانيهما النقل والتحويل ومنه تناسخ المواريث أي نقلها وتحويلها من وارث إلى آخر مع قيام المال وتناسخ الأرواح أي نقلها من أبدان إلى أبدان أخر ونسخ الكتاب وانتساخه واستنساخه أي نقله إلى كتاب آخر وهو المراد بقوله تعالى إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون يعني به نقله إلى الصحيفة وقد اختلف في معناه الحقيقي فقيل إنه حقيقة فيها واختار الشيخ والغزالي وحكي عن القاضي أبي بكر وقيل إنه حقيقة في الأول مجاز في الثاني اختاره العلامة في النهاية والسيد العميدي في المنية وحكي القول به عن أبي هاشم وأبي الحسين البصري وقيل بالعكس وحكي عن الفضال وكان الأظهر الأول فإنهما إطلاقان شائعان ولا مناسبة ظاهرة بينهما ليكون علاقة في مثله فظاهر الاستعمالات في الحقيقة والمعنيان كررا في كلام أهل اللغة من غير إقامة دلالة على تعيين الحقيقة فقد يفيد ذلك كونهما حقيقتين حجة القول الثاني أمور منها أن المجاز أولى من الاشتراك فيدور الأمر بين كونه حقيقة في الأول أو الثاني والأول أولى لمشابهة الثاني له في الاشتمال على الزوال عن الحالة الأولى بخلاف العكس وفيه أن مشابهة الأول للثاني حاصلة أيضا لما في إزالة الشيء من تحويله من الوجود إلى العدم وقد يجعل التجوز في المقام من قبيل المجاز المرسل فإن الإزالة لازم للنقل عن محل قاض بإزالته عنه فإن قيل بكونه حقيقة في النقل بكون استعماله في الإزالة من قبيل استعمال الملزوم في اللازم ولو قيل بالعكس كان استعماله في النقل من قبيل استعمال اللازم في الملزوم كذا يظهر من التفتازاني ونص عليه الفاضل الصالح وحكي عن بعض نسخ شرح العضدي عكس ذلك وكيف كان فدعوى حصول العلاقة من أحد الجانبين دون الآخر فاسدة ومنها أن إطلاق اسم النسخ على الإزالة ثانية والأصل في الإطلاق الحقيقة فيكون مجازا في النقل لأن المجاز خير من الاشتراك وضعفه ظاهر فإنه مقلوب عليه لأن إطلاقه على النقل ثابت أيضا فالأصل فيه الحقيقة فيكون مجازا في الآخر ومنها أن إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم نسخت الكتاب مجاز لأن ما في الكتاب لم ينقل حقيقة وإذا كان مجازا في النقل كان حقيقة في الإزالة بعدم استعماله فيما سواهما ووهنه ظاهر فإن كونه مجازا في المثال المفروض لعدم استعماله في النقل حقيقة لا يقضي بكونه مجازا فيه إذا استعمل في حقيقته ولو أريد بذلك المنع من استعماله في النقل بمعناه الحقيقي فهو فاسد لاستعماله فيه في أمثلة أخرى والظاهر أنه غير قابل للإنكار على أن عدم استعماله في المثال في حقيقة النقل غير ظاهر فإنه إن أريد به نقل خصوص المكتوب كان الأمر على ما ذكر وأما إن أريد به نقل كلي المكتوب الحاصل بذلك الحصول إلى حصول آخر فلا مانع منه ألا ترى أنه يصح أن يقال أنقل الحساب وحوله من هذا الدفتر إلى دفتر آخر من ظهور تجوز فيه ومع الغض عن ذلك فكون النقل في مثله مجازا لا يستلزم كون النسخ أيضا مجازا إذ قد يقال بكونه حقيقة في النقل مطلقا سواء كان بمعناه الحقيقي أو المجازي وقد يقال أيضا بأن استعمال النسخ في المقام إن كان مجازا فلا يصح أن يكون مجازا عن النسخ بمعنى الإزالة إذ لا مناسبة بينهما فهو مجاز عن النسخ بمعنى النقل فيفيد كونه حقيقة فيه لوضوح عدم جواز سبك المجاز عن المجاز هذا وربما يظهر من القاموس أن المراد بنسخ الكتاب معنى آخر غير النقل حيث فسره بالكتابة من معارضته ولم يذكروا حجة للقول الثالث وربما يستدل له ببعض الوجوه المذكورة والكلام في المقام طويل وحيث إنه لا يتفرع عليه ثمرة أصولية فليقتصر على ذلك وفي العرف رفع حكم شرعي بدليل شرعي وزاد في التهذيب قوله متأخر عنه على وجه لولاه لكان ثابتا فقوله حكم يعم الأحكام الخمسة الشرعية والوضعية